محمد بن جرير الطبري
28
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
يحبون المهاجرين . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله : وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ قال : الأنصار نعت . قال محمد بن عمرو : سفاطة أنفسهم . وقال الحرث : سخاوة أنفسهم عندما روى عنهم من ذلك ، وإيثارهم إياهم ولم يصب الأنصار من ذلك الفيء شيء . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ ، وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا يقول : مما أعطوا إخوانهم هذا الحي من الأنصار ، أسلموا في ديارهم ، فابتنوا المساجد والمسجد ، قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم فأحسن الله عليهم الثناء في ذلك وهاتان الطائفتان الأولتان من هذه الآية ، أخذتا بفضلهما ، ومضتا على مهلهما ، وأثبت الله حظهما في الفيء الأنفال . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله الله عز وجل : وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ قال : هؤلاء الأنصار يحبون من هاجر إليهم من المهاجرين . وقوله : وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا يقول جل ثناؤه : ولا يجد الذين تبوءوا الدار من قبلهم ، وهم الأنصار في صدورهم حاجة ، يعني حسدا مما أوتوا ، يعني مما أوتي المهاجرين من الفيء الأنفال ، وذلك لما ذكر لنا من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم أموال بني النضير بين المهاجرين الأولين دون الأنصار ، إلا رجلين من الأنصار ، أعطاهما لفقرهما ، وإنما فعل ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، قال : ثني محمد بن إسحاق ، عن عبد الله بن أبي بكر ، أنه حدث أن بني النضير خلوا الأموال لرسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت النضير لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة يضعها حيث يشاء ، فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم على المهاجرين الأولين دون الأنصار الأنفال ، إلا أن سهل بن حنيف وأبا دجانة سماك بن خرشة ذكرا فقرا ، فأعطاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا المهاجرون . قال ، وتكلم في ذلك يعني أموال بني النضير بعض من تكلم من الأنصار ، فعاتبهم الله عز وجل في ذلك فقال : وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم : " إن إخوانكم قد تركوا الأموال والأولاد وخرجوا إليكم " فقالوا : أموالنا بينهم قطائع ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أو غير ذلك ؟ " قالوا : وما ذلك يا رسول الله ؟ قال : " هم قوم لا يعرفون العمل فتكفونهم وتقاسمونهم الثمر " ، فقالوا : نعم يا رسول الله . وبنحو الذي قلنا في قوله وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن المثني ، قال : ثنا سليمان أبو داود ، قال : ثنا شعبة ، عن أبي رجاء ، عن الحسن ، في قوله وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا قال : الحسد . حدثنا محمد بن المثني قال : ثنا عبد الصمد ، قال : ثنا شعبة ، عن أبي رجاء ، عن الحسن حاجة في صدورهم قال : حسدا في صدورهم . حدثني يعقوب ، قال : ثنا ابن علية ، قال : أخبرنا أبو رجاء عن الحسن ، مثله . وقوله : وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ يقول تعالى ذكره : وهو يصف الأنصار الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبل المهاجرين وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ يقول : ويعطون المهاجرين أموالهم إيثارا لهم بها على أنفسهم وَلَوْ ، كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ يقول : ولو كان بهم حاجة وفاقة إلى ما آثروا به من أموالهم على أنفسهم . والخصاصة مصدر ، وهي أيضا اسم ، وهو كل ما تخللته ببصرك كالكوة والفرجة في الحائط ،